اخبار عامه

راضي مصطفي يكتب عامود رأي: غرفة بصات نهر النيل.. حين يختار القطاع أن يكون حارساً للوطن

في زمنٍ صارت فيه المصالح الضيقة بوصلة لكثيرين، جاء موقف غرفة البصات السفرية بولاية نهر النيل ليذكرنا أن في جسد هذا الوطن عافية، وأن بين تجار الأزمات رجالاً يفهمون أن أمن الطريق أثمن من ربح اللحظة.

وقف رئيس الغرفة هارون عبد الماجد دياب، لا ليطالب بامتياز، ولا ليشكو من كساد، بل ليقولها صريحة مدوية: نرفض “الشحن الخارجي”. رفضٌ لم يكن عناداً مهنياً، بل كان وعياً وطنياً يدرك أن البص الذي يسير بلا ضابط قانوني، قد يصبح نافذةً تهرب منها الفوضى إلى صدر الولاية.

ما الذي يخيف الغرفة من “الشحن الخارجي”؟ إنه ليس خوف الرزق، فالرزق مقسوم. بل هو خوف الثغرة. فحين تُحمل البضائع خارج المنصات الرسمية، وحين يُسافر الرجال بلا سؤالٍ ولا جواب، فإننا لا نخسر تعرفة فحسب، بل نخسر القدرة على الحماية. نخسر السؤال المصيري: من هذا؟ وماذا يحمل؟ ولأي غاية يمضي؟ وفي مرحلةٍ تُخاض فيها “معركة الكرامة” على كل شبر، تصبح الثغرة الصغيرة بوابةً لكسرٍ كبير.

لذلك كان إشادتنا بوالي نهر النيل واجباً، قبل أن تكون مجاملة. لم يتكبر على الصوت المهني، ولم يصر على قانونٍ ولائيٍ خلق الالتباس. بل جمد القانون، وفتح باب الحوار، وكتب أربعة خطابات في يومٍ واحد: أوقفوا الفوضى، واجلسوا للتفاهم، واصنعوا تشريعاً موحداً. هكذا تُدار الدول.. لا بالعناد، بل بالحكمة. لا بالاستعلاء، بل بالإصغاء.

غرفة البصات لم تطلب إعفاءً جمركياً، ولم تبتز الدولة بتعطيل حركة المسافرين. قالت بوضوح: نحن شركاء في المعركة، وجنودٌ في ميدانٍ آخر. البص السفري عندهم اليوم ليس حديداً وعجلات، بل هو شريانٌ يضخ الحياة في المدن المحررة، ووسيلةٌ تعيد النازح إلى داره مرفوع الرأس.

هذا هو الموقف الذي نريده من كل غرفة، ومن كل نقابة، ومن كل صاحب مصلحة: أن يضع الوطن قبل الجيب، وأن يفهم أن استقرار السوق لا يأتي بخرق القانون، بل بحمايته.

لقد اختارت غرفة بصات نهر النيل أن تكون حارساً لا تاجر أزمة. وأن تكون جزءاً من الحل لا جزءاً من الثغرة. وفي ذلك درسٌ بليغ لكل القطاعات: أن هيبة الدولة تبدأ من انضباطك أنت، وأن كرامة الوطن تُبنى حين ترفض الربح الحرام حتى لو كان سهلاً.

فشكراً لغرفة بصات نهر النيل.. وشكراً لهارون دياب ورفاقه. لقد أثبتم أن في عطبرة رجالاً، وأن في النقل رجال دولة، وأن الوطن ما زال يلد من يحرسه.

أغاني أمثال سودانية

"أجمل الأمثال والأغاني السودانية" هي منصة إعلامية سودانية متخصصة، تجمع بين روائع التراث الشعبي من أمثال سودانية أصيلة، وأجمل الأغنيات التي شكّلت وجدان الشعب السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى